السبت، 22 سبتمبر 2012

الاسلام وتقديس الاشخاص



رأي | أهم القيم التي جاء الاسلام ليهدمها هي فكرة الكهنوت. الكهنوت بمعني وجود شخص وسيط بين الله وبين الناس. يستشعر معه الناس أن طريق الوصول الي الله يمر عبر توجيهاته وآرائه. جاء الاسلام ليرسخ قيمة الانسان ويزيل كل الافكار ويهدم كل المؤسسات التي تحتقر الانسان او تقلل من شأنه وتعتبر نفسها وصية عليه. يمكننا نري ذلك في شئ بسيط جداً لكنه ذو معني عميق جداً. كلنا يردد دائماً جملة الرسول وأصحابه. هل فكرت في هذه الكلمة من قبل، أصحابه، لم يصفهم بأتباعه او مريديه مثلاً. حتي سيدنا عيسي عليه السلام كان يصف من معه بأنه حوارييه. معني الحواري في اللغة العربية هو الصاحب القريب. هل يطلق لقب الصاحب على من يتبع الشيخ حالياً؟ لا بالطبع تخيل شيخ مشهور تعرفه، ماذا يقال على من يستمع اليه؟ أتباعه أو مريديه أو أنصاره. لا يقال أصحابه ابداً. أنا استشعر الرهبة التي تأتي في قلبك حينما يخطر لك اسم شيخ معين. ربما تقول وهل وصلت انا لعلمه حتي يطلق علي صاحب. سأقول لك هذا ما فعله الرسول محمد عليه الصلاة والسلام مع من معه والذي هو بالتأكيد أفضل وأعلم من اي شيخ آخر. يمكن أن تتخيل أن هذا اللفظ شئ بسيط، ولكنه في الحقيقة يعبر عن جوهر رؤية الشيوخ لمن يسمعونهم، بل ورؤية الناس لأنفسهم وطريقة نظرتهم للدين عموماً.
للتوضيح سأذكر مثال: غزوة بدر مع الرسول محمد، وبعد أن اختار الرسول مكان المعسكر وكانوا في انتظار العدو، جائه أحد أصحابه ( والتي لا تذكر كتب السيره اسمه، والذي يؤشر انه لم يكن من الصحابة المشهورين ) وقال له – بتصرف – هل هذا المكان أخبرك به الله أم هو رأيك الشخصي، فأجابه الرسول بأنه رأي، فقال الصحابي أن هذا المكان ليس هو الاختيار الأفضل، ثم أقترح مكاناً آخر. فناقش الرسول رأيه وأخذ به !
السؤال هنا هل هذه هي العلاقة بين الشيوخ وأتباعهم هذه الآيام؟ بالطبع لا. لا الشيخ – في الغالب – يري أن أتباعه ليس لديهم الأهلية أن يدلوا بآراء، ولا الأتباع لديهم الثقة ليدلوا بآراء على الشيخ. وبهذا تنشأ علاقة غير صحية على الطرفين وتنتج آراء ليست في صالح الآمة في الغالب.
ماأقوله هنا هو ليس عدم تقدير واحترام رجل الدين – هذا تعبير غير دقيق في الاسلام بالمناسبة – ولكن مع التقدير والاحترام تكون العلاقة علاقة صحية يدرك كل طرف فيها نقاط قوته وضعفه.

عبدالرحمن شلبي 

الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

فلسفة التاريخ ( 4 )

في الحلقة السابقة استعرضنا فكر بن خلدون في تفسيره لنشئة الحضارات وسقوطها حيث انه يفسر الامر وفقا لما يسمى بقانون العصبية

أرنولد تويبني والحضارات :


في هذه الحلقة نستعرض فكر ارنولد تويبني وهو عالم انجليزي الف موسوعة ضخمة اسمها (( دراسة التاريخ )) استغرق في تأليفها حوالي 40 سنة وكان من أشد المعجبين بفكر بن خلدون غير انه وسع دائرة النظر للدول والحضارات ليخرج لنا بقانون يسمى (( التحدي والاستجابة ))

قانون التحدي والإستجابة :

ملخصها ان الانسان اثناءبنائه للحضارات يواجه مجموعة من التحديات فيتعامل معها ..
اما باستجابات ناجحة تؤدي الى التغلب عليها وتحقيق النهضة
وإما باستجابات فاشلة لا تؤدي الى النهضة والحضارة
وهذه التحديات تواجه الأمم جميعا بلا استثناء ويكمن الفرق فقط في نوع الإستجابة وهو الذي يؤدي الى وجود دول متقدمة واخرى متخلفة

أولا التحديات : 

يقول روبرت شولر ( ان الصراع هو مكان ولادة الإبداع الأعظم ) لذلك يجب النظر الى التحديات على انها سر نهضات الأمم

أنواع التحديات : 

1- تحد قاس : أكبر من قدرة المجتمع ولا يستطيع الإنسان التغلب عليه مثل شعب الاسكيمو وتحدي الثلوج المستمرة
2- تحد ضعيف : غير مستفز للانسان ليطور ذاته مثل نيوزيلندا حيث قلة السكان ووفرة الموارد فلم يتقدم سكان نيوزلندا الأصليين
3- تحد خلاق : يستفز طاقات الانسان ولكنه -اي الإنسان -قادر على تطوير آلياته للتغلب عليه

من الذي يقود مواجهة التحديات :

يرى ارنولد تويبني ان الافراد المبدعين والقادة الملهمين والفئة ذات الرؤية والتصور هم المعول عليهم في عملية مواجهة التحديات فاذا انقادت لهم الأغلبية سواء عن طريق المشاركة أو عن طريق التقليد قادوا هذه المجتمعات للتغلب على ما يواجهها من عقبات


ثانيا الإستجابة :

يؤكد تويبني ان هناك علاقة طردية ما بين مستوى التحديات ومستوى الإستجابات فكلما زادت التحديات صعوبة كلما تصاعدت قوة الاستجابات حتى تصل الى ما يسمى (( بالوسيلة الذهبية )) والتي تأتي من خلال الاستجابات الناجحة وشبه الناجحة والفاشلة في مواجهة التحديات التي تعترض طريق النهضة الى ان تهتدي الامة الى الحل النموذجي أو الخلطة السرية التي تقودها بأمان لتحقيق النهضة والحضارة . هذه الوسيلة التي تنقل المشروع نقلة قوية هي ما أطلق عليه (( الوسيلة الذهبية ))

مثال على الوسيلة الذهبية : هو ما فعله نابليون بونابرت في فرنسا بعد قيام الثورة حينما أدخل اساليب الإدارة الحديثة وأنشأ الجامعة لمجابهة التحديات التي كانت تواجهه

أنواع الإستجابات : 

1- استجابات ناجحة : تمر بمراحل هي الصحوة ثم اليقظة ثم النهضة ثم الحضارة
2- استجابات فاشلة : تؤدي الى التخلف والى القابلية للاستعمار

إن الإستمرار في الأخذ بالوسائل المجربة الغير مجدية يمثل الدوران حول النفس بينما لو جربت طرقا جديدا لوصلت الى النهضة يقول روبرت شولر (( أفضل أن أغير رايي وأنجح على أن أستمر على نفس الطريقة وأفشل ))

ما هي عوامل سقوط الحضارات ؟ 

هناك 3 عوامل :

1- ضعف القوة المبدعة : حيث ان المبدعين بعد ان يصلوا للوسيلة الذهبية وينهضوا بالامة يصلوا الى حالة من فقدان الابداع الأمر الذي يؤدي الى تحولهم تلقائيا الى قوة تعسفية تمنع المبدعين الاخرين من العمل حتى لاتنكشف عوراتهم 


2- تخلي الاغلبية عن القلة المبدعة : لان الاغلبية تظل في حيرتها بين القديم والجديد  او تظل متمسكة بالقديم ونتيجة هذا الصراع يحدث الانقسام وضياع وحدة المجتمع ويبدأ الإنهيار 



3- الإنشقاق وضياع وحدة كيان المجتمع 



ان تويبني يقدم لنا مساحة جديدة من التصور قيتكلم عن التحديات ودورها في استفزاز طاقة المجتمع ويقدم لنا نظرية الإنسان المبدع وصراعه مع المجموعة المسيطرة ودور الجماهير في هذا الصراع
ويقدم لنا صورة عن سلوك القيادة بعد نضوب معينها الإبداعي فيصبح مرتكزها مع المخالفين هو القانون والانضباط وما يدخل ضمن هذه المفردات التي لاتتكلم عن المشروع بل تتكلم عن المشروعية ( أحقية القيادة ) وفارق كبير بين الاهتمام بالمشروع وتطويره وبين المشروعية ,فالمشروعية خلقتها ظروف سابقة بينما المشروع حياة متجددة تحتاج الى أدوات مستمرة ونمو دائم